رسالة تضامن من كاتب عراقي

أخي سماح ادريس المحترم
تحية طيبة

أنا أعرف أنك قلق وربما متوتر ومثار بسبب ما حدث. لكنه أمر نافع، بكل المقاييس، كما أظن.

لا أريد أن أثني على مقالتك, لسبب وحيد هو أني أحمل الأفكار ذاتها, وسبق لي أن عالجتها في غير موضوع, وستظهر قريبا ضمن كتابي الجديد (...). ولكنك تتفوق علينا في أمر هام, هو أنك تكتب دفاعا عنّا, أما نحن فلم نزل, في الأعم, في مقاعد المتفرجين أو بالقرب منها.(...)

ولكن، لي عتب أرجو أن يتسع صدرك له. فقد وصلتني دعوات تضامنية، طيبة النيات، للتضامن معك. ولي وجهة نظر فيها. مثل هذه الدعوات صحيحة حينما يقع كاتب ما تحت ضغط سلطة أو حكومة تحتكر وسائل الإعلام, أو تحت ضغط جماعة تتحكم بالمزاج الثقافي الشعبي، فيكون فك الحصار مطلبا ضروريا. لكن قضية فخري كريم مغايرة تماما. لقد بدأ فخري بداية لا تخدمه (الشكوى),(...) فأنا أراها فرصة سانحة لتحويل دعواه الى محاكمة حقيقية تفضح محتواه ومحتوى القوى العرقية والدولية التي خدمها ويخدمها. ومثل هذه الدعاوى كثرت في الآونة الأخيرة، والطريف فيها أنها أتت في الغالب من جهات لها نفوذ، ولها سلطات. فعلى سبيل المثال إن فخري يعرف نفسه بأنه مستشار لرئيس دولة. وحينما لم يكن في موقع المستشارية كان يحق له أن ينقد معارضيه السلطويين على هواها وأن يعتبر ذلك جزءا من تراثه النضالي!!
أما اليوم، حينما غدا سلطة، فقد أصبح المساس بسلوكه السلطوي ضربا من المحرمات! وقد لوحظ أن هذه الجهات أخذت تتفوق على السلطات السابقة في مساحة المحرمات: فحالما تفقد مقدرتها على خنق الآخر والاستفراد به، تلجأ الى المحاكم ظنا منها ( وهذا هو الوهم الأكبر) أنها – بحكم مشروعها السياسي التابع دوليا- سلطة شاملة، عالمية، لها أصدقاء سلطويون في كل مكان، وبالتالي فإن أياديها قادرة على الامتداد الى كل من يخالفها حتى لو كان خارج حدودها المكانية والروحية والإغرائية, تأسيسا على قاعدة: مكافحة الإرهاب مهمة عالمي!
وهذا تطور جديد في الممارسات وفي المفاهيم والمشاعر، يستوجب مواجهته في المكان الذي اختاروه, وحسم الموقف معهم حقوقيا وثقافيا وإعلاميا, وإظهار فساد مشروعهم وزيف معتقداتهم وقصر أياديهم في مواجهة الحق والصلابة الروحية.

فالأمر الأساسي هو من يكسب العقل، وليس من يكسب الأعداد والمصوتين.

في الشؤون الثقافية لا يهم من يكسب القطيع. ما يهم هو من يكسب الحقيقة ويحتفظ بها بين يديه كما يحتفظ بجمرة. تلك هي مهمة المثقف. وأنا أراك فعلت الصواب حينما التزمت قواعد الخطاب والنشر. إن الإصرار على الالتزام بقواعد الحوار الثقافي يعدّ ربحا إضافيا في
ذاته, يضاف الى الربح الناتج عن إظهار الحقائق, وهو ربح للمثقف وللثقافة. أي ربح المضمون والوسيلة. لهذا السبب أحزنني أن يعمد بعض الأدباء الى تحويل القضية الى مباريات في جمع التواقيع, التي هي من اختصاص الأحزاب وهواياتها المحببة. إن الذهاب الى الحقيقة يجب أن يتم بتثبيت المضامين وبفرض قواعد سلوكية تهدد عروش محترفي تجييش الأفراد ( لا أحد يستطيع أن يتفوق عليهم في تجميع الأفراد, لذلك يجب اسقاط هذه الورقة، من خلال الاصرار على المواجهة بحجج لا تسعدهم وبواسائل لا يجيدونها, ولا يحترمونها). مثل هذه
المعارك طويلة وشاقة، وربما بالغة الطول والمشقة، ومن أجل كسبها يتوجب أن يدرك المرء مسبقا أنه أمام خصم في أوج صعوده: فهو حتى لو لم يكن يمتلك المنطق والحقيقة، إلا أنه يمتلك صلف تمتعه واستحواذه على قوة مؤقتة تجعله مسموعا ومهابا ومغريا للكثيرين من قمامي الفطائس الثقافية. ما يفرّق بين السياسي والمثقف هو أن السياسي يريد انتصارات سريعة فورية لأنه يدرك أن دوره في الحياة سريع وزائل. أما المثقف، الباحث عن الحقيقة، فهو يسعى الى انتصارات ذات طبيعة مثالية تميل الى البقاء والخلود، لتصبح أثرا أصيلا من آثار تثبيت قوانين العدل والخير والجمال. وهذا يتطلب اللجوء الى وسائل مغايرة.

(...) إنك تمضي في طريق يمضي فيه كثيرون بالايمان نفسه والأمل نفسه. فأنت لست وحيدا.
ومهما يكن، فأنت منتصر لأنك تمتلك الحقيقة وتسير في سبيل شرعي. أما القوائم فهي لعبة قادة المليشيات، يريدون فرضها على الجميع، حتى على المثقف المتمرد على سلطتهم.

أن تقف في وجوه قادة المليشيات العرقية لهو نصر ثقافي كبير وبهيج.

مرة أخرى أقول لك أنت لست وحيدا، وأنت لست في عوز الى تجميع التواقيع لكي تتعرف على من يقف معك أو ضدك. هم أصحاب سلطة وأصحاب مشاريع مالية وسياسية وأصحاب مليشيات، فهم ضعاف.
أنت عادل، أنت صادق، أنت مقنع الحجة، فأنت قوي.

أتمنى لك الصحة والأمان.
(س ...كاتب عراقي)