المثقف والمال

بقلم زياد حافظ*
*كاتب وأستاذ جامعي
(نُشرت في لائحة القومي العربي)

تناولت افتتاحية مجلة "الآداب" الأخيرة مسألة علاقة المثقف العربيّ والمال بشكل عامّ، وقد نضيف اللبنانيّ بشكل خاصّ. والصدفة كانت تلازم تلك الافتتاحية مع دعوى رٍُفعت من "مثقف" عراقيّ من إقليم كردستان ضدّ الدكتور سماح سهيل إدريس، صاحب وناشر المجلة الثقافية المرموقة "الآداب" المعروفة في كافة أقطار أمتنا. لم أكن أعي بوجود السيد فخري كريم المدّعي على الدكتور سماح إدريس قبل شهر أيار من عام 2007 عندما تناول الدكتور إدريس في افتتاحيته آنذاك قضية المهرجانات الثقافية في إقليم كردستان العراقي. والقضية لا تكمن في "شهرة" السيد كريم أو عدمها، بل في مضمون الدعوى الموجّهة إلى الدكتور إدريس بتهمة "الذم والقدح".
تناولت تلك الافتتاحية مسألة دور المثقفين العرب الذين اكتشفوا مؤخّراً قضايا الديمقراطية والحداثة وباتوا يتصدّون "باسم الوعي النقديّ الحديث للبنى التقليدية المتخلفة، والغيبية العربية، والقومية العربية المستبدة، والظلامية الإسلامية، واليسار الدكتاتوري...لكنهم لا يلبثون أن يمتدحوا الاعتدال السعوديّ والوهابيّ والجنبلاطيّ، والمرونة المصرية، والواقعية الفلسطينية، والعقلانية الغربية" . كما أنّ الافتتاحية انتقدت بشدة الانتهازية المتأصلة لأولئك المثقفين الذين وقعوا فريسةً للحاجة ولحبّ الظهور. وهذا ما يؤكد ما كنتُ قد كتبتُه في مجلة "الآداب" حيث تحدثتُ عن مشكلة المثقف العربيّ المصاب بثلاث مصائب، كلُّ واحدة منها على حدّها قاتلة، فكيف إذا اجتمعت في آن واحد؟! فالمصيبة الأولى هي أنّ المثقف العربيّ يقيّم نفسَه أكثرَ مما يستحقّ؛ والمصيبة الثانية هي أنه لا يقرن فكرتَه بأيّ مجهود لتحقيقها؛ والمصيبة الثالثة هي رضوخه للمال وفقاً لاحتياجات أو دناءة النفس! وهذه النخبة المثقفة المتصدّرة لوسائل الاعلام المكتوب والمرئيّ، والمموَّلة من المال النفطيّ، اتخذت على عاتقها تغييرَ المفاهيم والمصطلاحات وجوهر الخطاب السياسيّ والثقافيّ العربيّ. فهي المسؤولة عن تراجع الخطاب القوميّ؛ بل هي الجلاّد الأول لذلك الخطاب الذي كان ومازال يزعج المالَ النفطيّ، وثقافةَ الفئوية والريع والفساد، ناهيك بثقافة الهزيمة المتفشّية في الجسم الثقافيّ العربيّ. إنّ هذه "النُّخب" تندِّد، باسم "الواقعية" المكتشَفة حديثاً، بـ"اللغة الخشبية" للخطاب القوميّ، وهي تدّعي "الرصانة" و"الموضوعية"، وأخذت على عاتقها التكلمَ في حقوق المرأة والمثلية الجنسية والتنديد بـ "الظلامية" التي شملت كافة التيارات الإسلامية المقاومة للاحتلال والمشروع الأميركيّ الصهيونيّ التفتيتيّ للمنطقة العربية والاسلامية.
هذه النخب التي اكتشفت "الليبرالية" و"حقوق الانسان" و"الديمقراطية" هي من إنتاج ثقافة الهزيمة. وهي في رأيي "كانت تهدف وما تزال إلى إحباط كافة المجهودات (...) التي تريد أن تنقل المجتمعات العربية من واقع الاحتلال للأرض إلى واقع التحرير، ومن واقع الشرذمة والتفتت إلى واقع الوحدة، ومن واقع الاستبداد إلى واقع الحرية، ومن واقع التبعية السياسية والاقتصادية إلى واقع الاستقلال الذاتيّ، ومن واقع الركود الثقافيّ إلى واقع التجدد المبنيّ على التراث، ومن واقع التخلّف العام إلى واقع النهضة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كل هذه الأهداف، التي عبرّت عنها عبر العقود الستة الماضية كافةُ حركات التحرّر العربية والتيارات السياسية الوحدوية، كان لها بالمرصاد التحالفُ الجهنميّ بين الاستعمار والإمبريالية والصهيونية وقوى الرجعية والقمع الحاكمة في المنطقة العربية من محيطها إلى خليجها."
ومعالم ثقافة الهزيمة حدّدها الباحثُ الألمانيّ ولفغانغ سكيفلبوش وجاء نتيجة تحليل معمّق لواقع المجتمعات التي مُنيت بهزيمة واعترفت بهزيمتها: ومنها المجتمعُ الفرنسيّ بعد هزيمته في حرب 1870 ضد بروسيا، ومجتمعُ ولايات الجنوب الأميركيّ بعد الحرب الأهلية (1861-1865). ومن معالم تلك الثقافة تبنّي خطاب المنتصر وثقافته، والتنصّلُ من كلّ ما كان يشكّل الطابع الثقافيّ والسياسيّ للمجتمع المهزوم. والنخب العربية، المكتشِفة للحداثة والليبرالية والديمقراطية، اعتبرت نفسَها مهزومة، وعمّمت الهزيمة على كافة المجتمعات العربية... علماً أنّ الأنظمة العربية ونخبَها، لا الشعوب، هي التي منيت بالهزيمة: فعندما قامت الشعوبُ وتحملّت مسؤولياتها، سواء في فلسطين أو العراق أو لبنان، تكبّد المحتلُّ الهزائمَ ومايزال! فالهزيمة ليست قدرًا، كما يقول الصحافي الكبير طلال سلمان ، وبالتالي فإنّ ما تروِّجه تلك النخبُ مخالفٌ للواقع ويشكّل محض تغطية لانحرافها الفكريّ والأخلاقيّ.
ولكن، بالمقابل، هناك صحوة فكرية وأخلاقية ونضالية ترفض الانصياع إلى الابتزاز الماليّ والتهديد الجسديّ. وهذه الصحوة (وهي غير "صحوة" بوش في العراق!) تقود حملة مضادة تتلازم مع ثقافة المقاومة، الممتدة من فلسطين ولبنان إلى بلاد الرافدين. ذلك أنها تروّج لمشروع عربيّ وحدويّ نهضويّ، يعبّر عنه خطابٌ قوميّ إنسانيّ، ويشكّل نقيضَ المشروع التفتيتيّ الأميركيّ الصهيونيّ. كما أنّ تلك الثقافة، المبنية على الثقة بالنفس، والاعتزاز بالكرامة والتراث النضاليّ لهذه الأمة، بدأت تشكّل خطراً قاتلاً على ثقافة الهزيمة. إنّ ما يجري على الساحة الفلسطينية واللبنانية والعراقية، بل وفي السودان والصومال أيضاً، هو تجسيد لثقافة المقاومة والممانعة التي لا تنسجم مع ثقافة الهزيمة التي تتبنّاها النخبُ العربية المكتشفة لـ "الحداثة" و"الديمقراطية" و"العقلانية" إلخ. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أذكر ما كتبه الدكتور سماح إدريس دفاعاً عن "اللغة الخشبية" والقومية العربية ، بل كانت افتتاحياتُه آنذاك اعتزازاً بذلك التراث الذي ما زال يرعب الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية.
لتلك الأسباب تأتي الدعوى المرفوعةُ ضد الدكتور سماح إدريس محاولة بائسةً لإسكات صوت يرفض الأمرَ الواقعَ الذي يريد فرضَه المشروعُ الأميركيّ الصهيونيّ. إنّ نقد الدكتور إدريس لما يجري في العراق بشكل عامّ، وإقليم كردستان بشكل خاصّ، هو فضحٌ للتزوير الفكريّ والثقافيّ والسياسيّ ولتاريخ العراق والأمة، وهو تزويرٌ تقوده الولاياتُ المتحدةُ عبر زمرة من المرتزقة ينتحلون لباسَ الثقافة والفكر. إنّ الدعوى المقامة هي لترهيبِ مَن يمكن ترهيبُه، وإسكاتِ مَن يعتقد أنّ بإمكانه مقاومة المشروع التفتيتيّ. إنّ رغبة إدارة بوش في إعادة رسم خارطة شرق الأوسط تمتدّ إلى إلغاء الثقافة الموروثة، وتغييرِ الهوية، وتحويلِ الشعوب إلى جيفٍ متحركةٍ من دون أيّ ذاكرة. وإنّ ثقافة الاستهلاك هي البديل المزعوم عن الموروث الثقافيّ والروحيّ والإنسانيّ الذي يعمّ هذه المنطقة منذ أكثر من ستة آلاف سنة.
أما فيما يخصّ حيثيات الدعوى، فهناك مغالطات عديدة سيكشف عنها القضاءُ-- ومنها اعتبارُ مجلة "الآداب" غير مرخّصة لإبداء الرأي السياسي، وهو ما يتنافى مع الترخيص الرسميّ للمجلة. كما أنّ الادّعاء على المجلة بالذمّ والقدح سيُردّ لتوافر الأدلّة عن شيوع الآراء بحقّ المدّعي، وذلك على مواقع عديدة من الإنترنت، وكلُّها تفضح سلوكه وتؤكّد ما جاء به الدكتور إدريس. وعندئذ يكون السؤال: لماذا لم يدّع السيد كريم على أولئك الذين قالوا بحقّه أكثرَ مما قاله الدكتور إدريس؟ والجواب واضح، وهو أنّ الدعوى هي لإسكات صوتٍ ما زال يعلو فوق صوت الغوغاء والضجيج الإعلامي المرافق لعملية "التحرير" ونشر"الديمقراطية" في العراق، وخاصة في كردستان. وهذا ما نرفضه، نحن أصحاب المشروع النهضويّ الوحدويّ العربيّ، وسنستمرّ في المسيرة نفسها التي اختارتها مجلةُ "الآداب" والدكتور سماح إدريس.