الدعوى ضد "الآداب": إرهاب ضد الكلمة العربية الشريفة

فتحي بالحاج

الدعوى الموجّهة ضد مجلة "الآداب" وسماح إدريس تكشف عن رغبة الحقد الدفينة لدى مثقفي الاحتلال في تكميم الأفواه المناضلة وإرهابها بأساليب التوائيّة بعد أن اُكتُشفت الحقائق، فكشفت هذه الحفنةُ من (...) فقرًها الفكري والثقافي وعجزًَها عن الرد الفكري في تفسير ما اقترفته في حق الثقافة والمثقفين العرب. ويبدو أنهم يريدون ان يفعلواً بقلعة "الآداب" ما فعلوه بمكتبة بغداد وبمتحفها وبمعالم الفكر والثقافة في العراق. فهم لم يجدوا من أسلوب للمواجهة الفكرية سوى اتّباع سياسة التخويف وتسلط المال والعلاقات الخاصة، عوض أسلوب الجدل والسجال وحق الرد الذي عوّدتنا اياه السجالاتُ الفكرية والسياسية في الساحة الفكرية العربية على الرغم من ضيق المساحات المسموح فيها مثل هذا السجال.
إنّ استهداف "الآداب"، ومن ورائها لبنان، ليس محض صدفة، وليس لمجرد رد فعل غاضب لشخص كُشفت أوراقُه وملأت المواقعُ الاكترونية ألاعيبَه باسم الثقافة والمثقفين. فلبنان من الساحات العربية القليلة التي يُسمح فيها هذا النوعُ من الجدل والجدال. لبنان متنفس الوطن العربي بعد أن خنق الاستبدادُ رئتيه فيما تبقّى من الوطن... مع بعض الاستثناءات القليلة. لذلك نقول إنّ استهداف "الآداب" هو استهداف لهامش الحرية الذي اكتسبه المثقف العربي في هذا الوطن الكبير.
إنّ سماح ادريس في مقالته لم يتناول شخصاً بعينه، بل ضرب أمثلة من مثقفين عرب ترتعد الثقافةُ العربيةُ خوفاً ورعبًا من ذكر أسمائهم، وتنتفض أجسادُ مؤسّسي نهضتنا العربية المعاصرة في قبورهم لو بلغهم ما اقترفوه في حقّ نهضتنا العربية المغدور بها: فمنهم من اختار الرد في مواقع أخرى بالرغم من أنّ "الآداب" مفتوحة لردودهم؛ ومنهم من لاذ بالصمت؛.لكنّ هناك من اختار أسلوبَ التخويف والترهيب واستخدام سلطة المال في وجه قلعة فكرية تعيش على مساهمة قرائها وتبرعاتهم.. قلعة اختارت طريق الشرف والكرامة، فأعطت للكلمة كنهها ومعناها، واختارت أن تترجم الكلمات أفعالاً لا أن تكون مدخلاً للتزوير والاستيلاء.
إنّ الدعوى ضد "الآداب" وسماح ادريس تتجاوز في أبعادها لبنانً إلى الوطن العربي الحزين المكبّل بسلاسل الاستبداد لإسكات كل من يفكر، وكل من يكتب في أيّ بلد عربي، وكل من تسوّل له نفسه طرح أسئلة حول أشباه المثقفين الذين اثروا باسم الديمقراطية وباسم حقوق الإنسان وباسم الحداثة والمعاصرة. الدعوى محاولة قنّاص تعوّد اغتيال الثقافة(...). إنها ضربة تستهدف الصوت المقاوم الشريف في ثقافة عربية تسعى ـ بالرغم من الجراح ـ إلى الإفلات من قبضة التقليد والاستبداد والهيمنة.
"الآداب" ليست أية مجلة فكرية من المجلات العديدة المنتشرة في الوطن. إنها مدرسة تدرّب فيها المناضلون الذين يستخدمون سلاحَ القلم والكلمة، ومنبر مفتوح لكل الأصوات، على صفحاتها تُناقش كلّ قضايا الأمة بحرية ومن دون مقص. هكذا تحولت "الآداب" إلى لسان الأمة وضميرها. ولا بدّ في هذا السياق من أن نثمّن الدور الذي لعبه سماح إدريس ومٍن حوله فريقُ العمل في مواصلة مشعل "الآداب".
بالنسبة إلى الجيل الجديد مثلي، علاقتنا بمجلة "الآداب" علاقة حديثة. فقد كنا نسمع عنها، والمقالات المنشورة فيها تأتينا تحت الإبط، إذ لم تكن تباع ولم نكن نعثر عليها بسهولة خصوصا في فترات الانغلاق (تونس) .أذكر أنّ اكتشافي لهذه المجلة ودورها الخطير كان في باريس. ففي 1996 كنت أبحث عن مقال لمفكرنا المرحوم الدكتور عصمت سيف الدولة، "المقاومة من وجهة نظر قومية" (المقال نشر سنة 1970)، وكان الهدف مجرد تصوير مقال. لكني حين رحتُ أتصفح بعض أعدادها اكتشفت الدور الخطير الذي لعبته هذه المجلة في الفكر العربي المعاصر. وامتد اللقاء أسابيع طوالاً وأنا أطّلع على ما نُشر في أخصب فترة من فترات حياة أمتنا المعاصرة، أحاول الربط بين ما كُتب وبين ما جرى، فاكتشفتُ أنّ "الآداب" كنز كبير لكل متناول لهذه الحقبة، وأنها من المفاتيح الأساسية لفهم ما جرى وطبيعة القوى والرموز الفكرية التي فعلت. ويكتشف الباحث المتجرد والنزيه من نظرة أولى الدور الهام الذي لعبته في تطوير الفكر العربي. وعلينا أن نحمد الله أنه في زمن الانهيارات الكبرى ما تزال مجلة "الآداب" صامدة إلى الآن.
لذلك نرى أنّ استهداف "الآداب" الآن يتجاوزها لضرب وتدمير الوعي العربي، ولتكميم الأفواه، وإسكات الأصوات الشريفة، وشراء الضمائر بسلطان السياسة والمال. إنها محاولة أقلُّ ما يقال فيها إنها خسيسة تستهدف الضمير العربي. وهي محاولة إرهابية، طبقًا لقواعد القانون والفكر والأخلاق، تريد أن تأتي على الكلمة ونبلها وتقضي على الفكرة وإشعاعها. إنّ القضية أكثر من دعوى ضد "الآداب" وسماح ادريس .. إنها معركة من معاركة ثقافتنا العربية في مواجهة الاستبداد والهيمنة.
لقد فشلنا في الدفاع عن مكتبة بغداد ومتاحفها ومعالمها التاريخية. فلنوحّد جهودَنا للدفاع عن حقنا في التفكير. إنها معركة حرية الفكر ضد الإرهاب والاستبداد. فيا أيها المثقفون العرب الشرفاء، رُدّوا على هذا الاعتداء الذي يمارس على "الآداب". إنّ الدفاع عنها وعن سماح إدريس معركة من المعارك التي تخوضها ثقافتنا ومثقفوها ضد التقليد والاستبداد والهيمنة.

فتحي بالحاج
رئيس الملتقى الثقافي العربي الأوروبي بفرنسا